سُئل مارس 18 بواسطة
الفارق الجذري النفسي بين فكرة العمل لدى الرجل و المرأة

فكرة المساواة بين الرجل و المرأة دائماً تتطرّق للمظالم التي تُطرح من قِبل المرأة أو نيابةً عنها: لماذا لا نعامل المرأة مثل الرجل تماماً فيما يتعلّق بحق العمل و الثقافة و النمو الشخصي؟ أليس في هذا ظلم و إجحاف بحق المرأة؟

أبداً.  و لكن قبل أن تنهار العقلانية بداخلك و تسرع إلى الشتيمة عد للعشرة و احلم علي قليلاً و تابع القراءة لكي تفهم ماذا أقصد بالتحديد.  معلش؟

تمام.

الرجل هو المظلوم و الذي يعاني في مجال العمل و ليس المرأة و يحدث ذلك على أكثر من مستوى و الرجل لا يتذمر.  و سأشرح لماذا فيما بعد.

في الغرب تحصل الأنثى على الدعم التربوي و التدريسي على حساب الذكر.  عُدْ إلى مقالات و منشورات سابقة لتفهم و تفحص الحقائق عن كثب. الذكور يعانون في الغرب من الإجحاف بحقهم في المجال التربوي و التدريسي بحيث أن السلوكية الأنثوية صارت النموذج المحتذى به.  و ٢٠ بالمئة من الذكور من طلاب الابتدائيات و الثانويات يخضعون لجرعات يومية من مهدئات الأعصاب لكي لا يشاغبوا أو يتصرفوا أي تصرف مقرون بالذكورة.  عشرون بالمئة.  

حال الذكور التدريسي في تدهور مستمر لدرجة صاروا يشكلون ٤٠ بالمئة من طلاب الجامعات فقط.  

فجوة الدفع في الوظائف التي تنشرها منظمات المرأة كذباً لا تشمل حقيقة أن الرجال يعملون ساعات أطول و في أعمال أخطر.  النساء تتفادى الأعمال الخطيرة و الساعات الطويلة و تحصل على رواتب أعلى من الذكور لنفس الوظيفة و نفس العمل.  اقرأ آخر منشور عن شركة جوجل كمثال.

و فوق ذلك كله تتساهل الشركات مع تسيّب المرأة في العمل بحجة التزاماتها الأسرية
و هذا ليس مشكلة بحد ذاته لو طُبِّق بالتساوي على الجنسين أو لو لم يكن على حساب الجنس الآخر.  نفس التسيب سيتسبب بطرد الرجل من الوظيفة بحجة أنه غير قابل للاعتماد عليه.  القانون يحمي المرأة في هذه الحال أكثر مما يحمي الرجل و المرأة أكثر ميولاً للاستفادة من كل ما يمنحه مكان العمل من عطل و تسهيلات.    

أما الرجل فهو حتى عندما يُسمح له شكلياً بنفس الامتيازات يعرف أنه يجب أن يثبت أنه فدائي في العمل لكي يستمر في الصعود و الاستمرار.  

لماذا؟

لماذا يفعل الرجل كل ذلك و لا يتصرف كالمرأة؟ أليست هذه هي المساواة المنشودة؟

قبل الإجابة على ذلك السؤال أريد أن أستطرد قليلاً
 إلى نقطة أخرى لها علاقة بكل ذلك ثم سأعود لإجابة على السؤال.

المرأة قانونياً تستطيع الحَمَل (بطفل) بقرارٍ انفرادي لوحدها.

قد تضحك و تتساءل: كيف يمكن لها أن تحمل لوحدها؟ ألا تحتاج إلى مجامعة الرجل؟

نعم. بيولوجياً تحتاج إلى نطفته و لكن قانونياً لا يهم المحكمة كيف حصلت عليها.  فحتى لو كانت قد اغتصبت الرجل يقع الرجل ضحية محكمة الأسرة.  هنالك حالات تمت فيها اغتصاب معلمة لطفل في ال١٣ و ال١٥ من أعمارهم.  قانونياً هذا اغتصاب لأنهم قاصرون و الاغتصاب يعني عدم اعتراف القانون بصلاحية إرادة القاصر للدخول في هذا الفعل. فَلَو قامت فتاة في ال١٧ بإغراء شاب في ال١٨ من عمره و حتى لو يحبان بعضهما البعض فإن القانون يحاكم الشاب بجريمة الاغتصاب لأن القاصر لا يُعترف على إرادته و صلاحيتها في التعاقد. و لكن عندما اغتصبت تلك المعلمات أولاداً طالبت المعلمة أهل الطفل بدفع نفقات طفلها و المحكمة وافقت. و لو مارست المرأة الجنس مع الرجل و استخدم هو الواقي ثم قامت هي فيما بعد باستخدام السائل المنوي و حبلت فحينها أيضاً تستطيع أن تطالب الرجل بنفقة الطفل.  و هذا يحدث كثيراً و بأشكال متعددة.

و الأهم هو أن المرأة بعد الولادة تحصل قانونياً على نفقة الطفل من الرجل أو المراهق الذي لم يوافق على مسألة الإنجاب.  ثم تستطيع المطالبة بالمساعدة في دفع نفقات الحضانة لطفلها لكي تعمل.  و من يدفع تلك النفقات؟ خزينة الدولة.  كيف تمتلئ خزينة الدولة؟ من ضرائب المواطنين. في النهاية تخرج من جيب الرجل (و إن لم يكن كليّاً)، حتى إذا لم يكن له أطفال.  و كل هذه المساعدات ما كانت ستحصل لو أن المرأة متزوجة و الرجل يعمل ليعيل أسرته و له كامل القرار كيف يُنفق ماله.

كثيراً ما تتذمّر الكثير من الزوجات في الولايات المتحدة لأزواجهن عن ساعات عملهم الطويلة و تخلق مشاكل لأزواجهن و قد يصلون فيها إلى الخيانة الزوجية و يتحججون بالحرمان العاطفي و يحصلون على تعاطف الغير لأن الزوج مرهق في ساعات العمل الطويلة.  و إذا كان الزوج مثالياً و يعمل ساعات عمل محدودة و خسر عمله حينها أيضاً لا يرتاح من الذم: أنت لا تجتهد بما فيه الكفاية.   

إذاً لماذا يستمر الرجال بالعمل و الاجتهاد القاتل في عملهم؟

كيف يختلف الرجال عن النساء إذا كانوا في مجتمع المساواة و قد حصلت المرأة على أكثر ما يحصل عليه الرجل؟

الفرق هو أن الجميع قد ركَّز على قشور المساواة في العمل بين المرأة و الرجل و لكنهم غفلوا عن الجوهر الحقيقي للفارق بين الجنسين.

نعم إن المرأة قادرة عقلياً و جسدياً على القيام بالقسم الكبير مما يقوم به الرجل اليوم خاصةً و أن التكنولوجيا قد سهّلت على المرأة أيضاً القيام بها.  و لكن المرأة تتفادى الوظائف الخطرة التي لا يقوم بها إلا الرجال.  أليست هي قادرة على تلك الأعمال؟ إما أن الجواب هو بالنفي و بالتالي فإن في ذلك هو اعتراف بأن المرأة و الرجل غير متساوين في القدرات.  أو أن الجواب هو بالجزم و بالتالي يبقى السؤال: لماذا إذاً لا تقوم النساء بتلك الأعمال الخطيرة و لا تعمل ساعات طويلة مثل الرجل؟

الجواب هو أن المرأة حين تكون فتاةً صغيرة فهي تنظر إلى مستقبلها المهني من وجهة نظر مختلفة تماماً عن نظرة الرجل لمستقبله المهني.  و المجتمع ينظر إلى الرجل و عمله بشكل مختلف تماماً عن نظرته لعمل المرأة. كيف؟ و ماذا أقصد؟

في كلا الجنسين عندما ينظر الطفل إلى مستقبله في المهنة فإنه يفكّر بالمتعة و ماذا سيفعل حين يكبر و يشعر بنمو كيانه.  في هذا النطاق يتساوى الولد و البنت.

و لكن هنالك نقلة نوعية تحدث في عقل الذكر في عمر المراهقة فما بعد.  فبينما تنظر الفتاة إلى مستقبلها المهني كمصدر لضمانة مستقبلها مادياً لكي تكون لها الشهادة عوناً في الأيام الصعبة و قد تساعدها على استقلاليتها و استقلالية قرارها فإن الفتى المراهق و من بعده الرجل اليافع لا ينظر إلى مستقبله المهني فقط من هذه الزاوية.

هو بكل تأكيد ينظر إلى مستقبله المهني من الزاوية التي تنظر إليها الفتاة و لكن هنالك زاوية أخرى أهم بكثير من استقلاليته و قدرته في الاعتماد على نفسه.  هذه الزاوية هي ما يتوقعه منه المجتمع.

المجتمع يتوقع من الرجل أن يؤسس نفسه مهنياً و مادياً لكي يؤسس أسرة و يصرف عليها حتى يوم مماته.  و يتوقع المجتمع و تتوقع الدولة من الرجل أن يكون المعيل الأساسي لأسرته.  

أما بالنسبة للمرأة فهي قد تصبح المعيل الأساسي لأسرتها. نعم.  و لكن ليس هذا ما يتوقعه منها المجتمع.  بل إن المجتمع يرفع من شأنها و يحقّر زوجها إذا كانت هذه هي المعادلة الأسرية لأن المجتمع يتوقّع من الرجل أن يكون الكادح الأساسي في إعالة الأسرة مادياً.  

ثم أن المرأة قد تشعر بالضعف و الحاجة للاعتماد على الرجل إذا لم يسعفها الحظ في المهنة و المدخول.  و لن يخطِّؤها المجتمع و لن يعيبها شيءٌ في ذلك.  

أما الرجل فإن ذلك ليس خياراً يلجأ إليه من دون أن يخسر مكانته في المجتمع و عيون الناس و عيون زوجته و أسرته.  الرجل لا يستطيع أن يفكر بذلك كمخرج.  نعم. قد تضطره الظروف للاعتماد على مدخول زوجته كداعم لمدخول الأسرة و لكن لا رجل يحب هذا الواقع.  هو مجرد واقع مفروض عليه بسبب تكوين المجتمع اليوم.  ماذا أقصد بذلك؟

في الولايات المتحدة كان الرجل من الطبقة الوسطى يستطيع بمدخوله لوحده تأسيس أسرة و شراء بيت و سيارتين و العيش مع أسرته حياةً كريمة.

بعد دخول المرأة في مجال العمل بزخم في السبعينيات انخفضت الرواتب إذا قسناها مقارنةً مع التضخم المالي. فاليوم يتقاضى الرجل نصف ما كان يتقاضاه الرجل في نفس الوظيفة قبل خمسين سنة.  لماذا؟ لأن اليد العاملة تضاعفت تقريباً فانخفضت الرواتب بسبب ازدياد العرض مع دخول المرأة في مجال العمل.

و بالمناسبة.  منذ أن دخلت المرأة في مجال العمل ملاحِقةً المساواة و تنمية نفسها مهنياً و مادياً لم يزيد ذلك من مستويات السعادة بين النساء. بل إن الإحصائيات تشير إلى أن المرأة قبل السبعينيات كانت معدلات سعادتها أعلى من الرجل.  و بعد السبعينيات انحدر معدل السعادة لديها و أصبح أدنى بكثير من معدلات السعادة لدى الرجل.  أما معدل السعادة لدى الرجل فلم يتغير. بقي كما هو تقريباً مع انخفاض طفيف.  فالمساواة لم تجلب للمرأة السعادة كما كانت الدعاية النسوية قد وعدتها و إنما التعاسة. هذه إحصائيات و جرد من المؤسسات الرسمية في الولايات المتحدة و ليست من عندي أنا.

إذاً دخول المرأة في مجال العمل ساهم في ازدهار الشركات و الاقتصاد و لكن ليس في ازدهار الأسرة.  فالأسرة اليوم تعاني أكثر.  الأسرة تعاني من ازدياد طلبات الطلاق و هي تعاني من قلة تواجد الأم في البيت مع الأولاد لأنها تعمل و الأسرة تعاني من غياب الدور التربوي التقليدي للأب لأسباب متعددة لها علاقة مباشرة مع المساواة المفترضة بين الرجل و المرأة في مجال العمل.  

و طبعاً لم نذكر أن الرجل بسبب اجتهاده و عمله بالساعات المضنية لتأمين العيش لأسرته يُعاقب من قبل المحكمة بأنه يحصل على نسبة أقل من حضانة الأطفال بحجة تواجد المرأة أكثر في حياتهم.  و هذا يؤدي إلى النقص الحاد في مدخوله الخاص لأن نسبة المدخول التي تقتطعها المحكمة لكي تعطيها للمرأة تتناسب طرداً مع نسبة حضانتها للأولاد.  و لهذا تسعى الكثير من النساء للتشهير بأزواجهن في المحاكم و الافتراء عليهم لأن اعتمادهم في غالب الحال هو ليس على كدّهم و ساعاتهم الطويلة في العمل و إنما على حساب الرجل.

لذلك، ماذا حصل للمساواة بين الرجل و المرأة في مجال العمل إذا كان هذا هو الحال عند الطلاق؟

هل هذا لأن النساء تهتم بمصالح أطفالها أكثر من الرجل؟

قطعاً لا.  فالطفل حسب إحصائيات منشورة على هذا الموقع هو أكثر عرضةً للأذى الجسدي من أمه و ليس من أبيه.  و ١٥ مليون طفل أميريكي يعانون من حرمانهم من والدهم لذات الأسباب المذكورة أعلاه مما يؤدي إلى كافة أنواع المشاكل السلوكية و النفسية التي قد تحدثت عنها مطولاً في السابق.

إذاً لماذا يحدث كل هذا؟

يحدث ذلك لسبب بسيط جداً: المرأة لا تحب الإرهاق النفسي بسبب العمل و ساعاته الطويلة بعد سن الثلاثين مثل الرجل بينما الرجل لا يمانع.  

الرجل لا يمانع هذا الإرهاق النفسي لأنه يعرف أن ذلك هو أهم جزء من تكوينه كرجل، أن يعمل و أن يجاهد و أن يضحّي، و حاصل ذلك عليه هو نقصان سنوات من عمره.  و لا علاقة لذلك بخرافات تنشرها مواقع المرأة عن هرمون البروجيسترون الأنثوي.  تلك خرافة. السبب هو الإرهاق الذي يخضع له الرجل و الذي يتسبب بكافة الأزمات الصحية من مشاكل في القلب إلى السكري إلى غيرها. و طبعاً الرجل أكثر عرضةً للموت في مكان العمل و الإعاقات لأنهم يعملون في أعمال خطيرة حتى سن متأخرة.

أين النساء من ذلك و أين نظرة المجتمع في المساواة في هذه الحالة؟ غير موجودة.  لماذا؟ لأنها امرأة.  لا يجب عليها أن تعمل و تتعب هكذا؟ كيف يقبل زوجها على نفسه ذلك؟

أتمنى أن تكون هذه المقال كافية لتنشيط دماغك للتفكير من جديد فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين في مجال العمل. فالمساواة ليست فقط غير موجودة و هي مجحفة بحق الرجل و ليس المرأة. و لكنها أيضاً كفكرة غير مكتملة و غير ناضجة و تنظر إلى المساواة في الفرص في مجال العمل من دون دراسة العواقب المعقدة على نمو الأسرة و المجتمع و ما يعنيه ذلك من تأثير على قابلية المجتمع في الاستمرارية و البقاء.

فما فائدة بعض الحقوق إذا كانت النتيجة الانهيار المستقبلي لهذا المجتمع؟

لا تصدّق ذلك؟ أعد النظر في ضوء عزف الرجال عن الزواج في المجتمع الأميريكي.

كان ٩٠ بالمئة من كل الرجال فوق سن ال٢٥ متزوجين و رؤوس أسر في خمسينيات القرن الماضي.  أما اليوم فإن فقط ٣٠ بالمئة من الرجال فوق سن ال٢٥ يقبلون على الزواج و يجرؤون على الإنجاب لما يتعرضون له من إجحاف على كل مستوى من قبل الدولة.  

نور دوشي

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

لم يتم إيجاد أسئلة ذات علاقة

موقع جوابك علمي تربوي اسلامي سؤال وجواب اطرح الأسئلة واحصل على حل لكل أسئلتكم الموقع يهدف إلى تقديم إجابتك علمية في مختلف مجالات مع إمكانية الإجابة على أسئلة الغير
...