سُئل يونيو 11 بواسطة
تفكروا معي قليلا فيما يلي أحبتي المسلمين:

تعالوا نفترض أنَّ القرآن هو كلام الله الكامل المطلق، وهو دستور الهداية الكامل التام الدائم للبشرية حتى يوم البعث ..

والآن فلنرى ماذا قرَّر القرآن في قضية العبيد والإماء، التي هي من أخطر القضايا الإنسانية في ذلك الزمن، باعتبارها كانت ظاهرةً اجتماعيةً متفشيةً إجرامية، لأنها تنتهك كل حقوق الإنسان بلا استثناء، حتى أنه كان يحق للسيد أن يقتل عبده ولا يسأله أحدٌ لمَاذا قتله؟! ..

أولا، نحن نجد أنَّ القرآن لم يكن مداهنا ولا متساهلا أبدا في قضية توحيد الله والإيمان به وبرسله، بل كان خطابه قويا صريحا زاجرا لكل من يكفر بالله ورسله ولا يؤمن بوحدانية الله الخالق المطلق، والآيات التي تناولت تلك القضية تزخر بالترهيب والتهديد والوعيد بالعقاب والعذاب الشديد في الدنيا والآخرة لكل كافرٍ عنيدٍ لن يؤمن بالله الواحد المجيد ..

وثانيا، عندما نذهب لنطالع ماذا قرَّر الله في شأن الإماء والعبيد، فإننا لا نجد حتى آيةً واحدةً تناولت تلك القضية لبيان خطورتها وتحريم الرق والعبودية ولو بألفاظٍ لينةٍ تصريحا .. أو تلميحا، حتى أنه لم يقل للمسلمين المؤمنين إنَّ ظاهرة الرق والعبودية ظاهرةٌ فاسدةٌ ظالمة، لذا لا يجوز استرقاق الإنسان واستعباده، بل حتى لم يقل لهم إنَّ لكم ما سلف من العبيد والإماء ولا تسترِقُّوا ولا تستعبدوا أحدا بعد ذلك بأي طريقة، وحاولوا الإحسان إلى عبيدكم وإطلاقهم بالتدريج تجنبا للفساد المُتوقع. لم يقل شيئا من ذلك قط، ولكنه تناول تلك القضية الإنسانية الخطيرة جدا على النحو التالي:

لقد تطرَّق القرآن لقضية العبيد والإماء على استحياءٍ واضحٍ ينمُّ عن خشية المُتكلم في القرآن من الناس الذين كانوا يرون أنَّ العبيد والإماء حقٌّ ومِلكٌ لهم كالمال تماما، ولم يكن يخطر ببالهم أنه يحقُّ لأحدٍ نزع ذلك الحقِّ منهم. فنجد أنّ القرآن لم يذكر قضية العبيد والإماء بنوعٍ من التفصيل إلا في آيةٍ واحدةٍ فقط كما يلي:

(وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [سورة النور 32 - 33].

ففي الآيات السابقة نلاحظ أن القرآن لم يُشر قطُّ إلى حرمة الاسترقاق أصلا، بل هو يناقش تلك القضية وكأنها أمرٌ طبيعيٌّ جدا ولا خطورة ولا خطيئة فيها، فهو فقط أمر بتزويج العبيد والإماء، وأمر بمكاتبتهم (أي إبرام العقود معهم) بدون توضيحٍ لنوعية وغاية تلك المكاتبة وإن كان الأرجح أنه يقصد كتاب الزواج!!، ثم جاءت الطامَّة بأنه أمر المسلمين ألا يُكرهوا الإماء على البغاء إنْ أردن الزواج، ولم يقل إنه يحرم عليهم ذلك تحريما قاطعا، ولم يُهددهم ولم يتوعدهم بالعذاب الشديد إن فعلوا ذلك، وهو بذلك الأمر يُقِرَّ بقاء الأمَة أمَةً عند سيدها حتى لو تحصَّنت بالزواج، ويؤكد أنها لا تملك أمرها بل أمرها بيد سيدها وليس حتى بيد زوجها، وإذا أكرهها سيدها على البغاء بعد تحصُّنها فـ... ماذا؟! .. (فإن الله من بعد إكراههن غفورٌ رحيم) ..  وليس شديد العقاب، ولم نجد حضورا لجهنم والجحيم هنا، ولا رأينا المقامع والسلاسل الحديدية النارية ولا المُهل والزقوم والغسلين الذي يشوي الوجوه ويغلي في البطون، ولا حضر الملائكة الشداد الغلاظ!!! .. ثم (فإنَّ الله من بعد إكراههن غفورٌ) لمن؟ و (رحيمٌ) بمن؟!، لم توضح الآية، بل جعلت الغفران والرحمة عامةً مبهمة، وكأن القرآن قد قالها بعد أن تملَّكه الخجلُ والوجلُ من جمهور الناس الذين قد يُغضبهم ذلك الأمر، فداهنهم ومَـنَّاهم بالمغفرة والرحمة، لأنه لا ريب في أنَّ القرآن لم يقصد أنَّ الله سيكون غفورا رحيما بالإماء المُكرَهات على البغاء، حيث لا حاجة لذكر ذلك الأمر، إذْ لا إثم على المُكرَه بلا خلاف، بل كانت الحاجة ملحة جدا لذكر عقاب الذين سيُكرهونهن على البغاء كأن يقول (فإنَّ الله شديد العقاب) .. والسكوت عن بيان الحق في معرض الحاجة خيانةٌ ومداهنة.

هكذا تعامل القرآن مع هذه القضية الإنسانية الأخطر والأكبر في مجال حقوق الإنسان، لقد أعرض عنها بكل إهمالٍ وتهميش، وحين تطرَّق لذكرها في آية واحدة فقط لم يناقش مشروعيتها، بل لقد أعطى صك المشروعية لاستعباد البشر وانتهاك حقوقهم بتقرير تلك الظاهرة كأمر طبيعيٍّ واقع، ولم ينسَ أن يختم الآيات بصك الرحمة والغفران حتى لو تمَّ اغتصاب الأمة وإكراهها على البغاء!!!.

وأخيرا، أختم بهاتين الآيتين اللتين يتضح من خلالهما أنَّ القرآن كان يرى العبودية والاسترقاق وتملُّك البشر ظاهرةً اجتماعيةً طبيعيةً جدا، ولم يَندَ لها جبينه ولم يتمعُّر وجهُه غيرةً ولا غضباً لحقوق العبيد الذين يُفترض بهم أن يكونوا أحرارا، وكأنه لا يشعر بهم ولا يحس بمعاناتهم ..

حيث ذهب القرآن في الآية الأولى للاستشهاد وضرب المثل بالعبد المملوك كمثالٍ طبيعيٍّ لإثبات مالكية الله ووحدانيته!!، فقال:

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة النحل 75].

وفي الآية الثانية ذهب القرآن لأبعد من ذلك في تقرير العبودية وإقرار العادات الجاهلية التي كانت تميز بين العبد والحر في كل شيء حتى في حق الحياة، حيث قال القرآن في توضيح حد القصاص:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ) [سورة البقرة 178].

فأيُّ إلهٍ هذا الذي وجدناه في القرآن غيورا غاضبا دوما لأجل نفسه ووحدانيته وإلوهيته، وكأنه محتاج لاعتراف البشر وإيمانهم به، وهو يُطلِق الوعيد والتهديدات المدوِّيَّة في وجه كل من سينكر ذلك، ولم يغضب ولم ينزعج ولم يهدد أحدا قط عندما وقف أمام ظاهرة استعباد الإنسان وانتهاك كل حقوقه واغتصاب شرفه وكرامته وعرضه وسرقة حريته وامتلاك حياته؟!.

هذا ناهيك عن مئات الروايات والأحاديث والمؤلفات الفقهية التي أفردتْ فصولا لتأصيل ظاهرة الرق والاستعباد وتملُّك العبيد والإماء.

فهل في مقالي هذا أيُّ شططٍ أو تجنٍّ أو تدليس؟! ..

أجيبوني بصدقٍ وعدلٍ خالِصَين لوجه الله وليس لوجه الموروث الذي وجدتم عليه آباءكم.

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

اسئلة متعلقة

موقع جوابك علمي تربوي اسلامي سؤال وجواب اطرح الأسئلة واحصل على حل لكل أسئلتكم الموقع يهدف إلى تقديم إجابتك علمية في مختلف مجالات مع إمكانية الإجابة على أسئلة الغير
...