سُئل مارس 15 في تصنيف معاني الكلمات بواسطة
عزيزي القارئ : لماذا يعاني البعض بعد انفصال عاشقين أو زوجين بينما البعض الآخر يخرج فرحاً ؟

السبب هو في لحظة حدوث الطلاق العاطفي في العلاقة.  

العشاق قد يدخلون العلاقة سوياً فيتبادلان تلك النظرات الأولى فتخفق القلوب و تبدأ رقصة الرومانس. و لكن استمرارية الرومانس أو الحب و توقّعات السعادة في المستقبل لا تستمر في نفس الطرفين بالتساوي.  البعض ينهار كل شيء في داخله منذ الأيام الأولى بينما يبقى البعض الآخر مستمراً في تلك التوقعات لمدة طويلة جداً.  

المسألة ليست مسألة أخلاق أو تربية أو فهم و وعي.  لا.  أبداً.  قد يكون لكل ذلك دور.  نعم.  و لكن المسألة هي أعمق من ذلك بكثير.  طبعاً من أهم عوامل استمرارية هذا التوقع هو مستوى حبك و جاذبيتك تجاه الشخص الآخر لكل شيء فيه.  هذا يلعب دوراً كبيراً في تركيز تفكيرك و وعيك تجاه حل أي خلاف و فُض أي مشكلة في العلاقة لأنك لا تتحمّل فكرة خسارتك لما لديك لأن البديل في خيالك غير موجود.  ففي خيالك، هذا آخر الناس.  غيرهم لن يصلح لك.  

المشكلة تحدث عندما يتخلل تفكيرك مسألة أن كل شيء و لم يبقى لديك ما سنفعله لكي تحصل على تلك السعادة التي كنت ترنو إليها و أن هذه السعادة يمكن الحصول عليها مع شخص آخر.  نعم. هذا احتمال قائم. و لأنه احتمال قائم فإن هذا التفكير يبدأ بزعزعة الرابط العاطفي بين الاثنين أو على الأقل في قلب أحد الطرفين.

في العلاقات التي يغلب عليها احترام الطرفين لبعضهما قد يدخل اليأس للقلوب ثم تفتر العلاقة و ينفصلان من دون مشاكل.  هذا يحدث.   في هذه الحالة يكون الطلاق العاطفي قد حدث قبل الطلاق الحقيقي أو القانوني.  و يكون قد حدث لدى الاثنين.

في عدد أكبر بكثير من العلاقات تستمر العلاقة شكلياً و يكون قد وصل فيها أحد الطرفين للطلاق العاطفي منذ فترة طويلة و لكنه لم يخبر الآخر بشيء لسبب أو لآخر، قد يكون بسبب الازدراء أو موت العواطف كلياً و لكن الخوف من إخبار الآخر قبل ضمان المخرج أو البديل.  في هذا النوع من العلاقات يبقى الطرف الآخر في الظلام، غير مدرك لتحوّل مشاعر حبيبه أو حبيبته حتى يطلق الحبيب الطلقة الأخيرة و يقول: لا أريد الاستمرار معك.  

تأثير هذا النوع من الانفصال دائماً يأتي صدمة قوية جداً.  و لأن الأمر حدث في السر و أتى بهذه الطريقة يقع الطرف الآخر في حالة تطول من الحزن و عدم فهم ما حدث.  في هذه المرحلة قد يتدخل الطرف الأول لكي يخفف عن الطرف الثاني حدة هذه المرحلة أو قد يهجره كلياً.  

في كلا الحالتين النهاية هي واحدة: أحد الطرفين يمضي في طريقه من دون ضمانات بالبديل كما كان واقع الطرف الأول.  و بالتالي فإنه قد يستمر لفترة أسابيع أو شهور أو سنوات في حالة كآبة بأن البديل لن يأتي.  في هذه الأحوال فإن الطلاق العاطفي يحدث بعد الطلاق الحقيقي للعلاقة و لدى بعض الناس لا يحدث أبداً.  

و هنا أحب التحذير لئلا يظن القارئ الذي يمر في هذه المرحلة بأن هذه المرحلة هي دلالة على الحب.  لا علاقة للحب بهذه المشاعر.  طبعاً الحب ما يزال موجوداً.  نعم. و لكن سببه ليس لأن الحبيب الغائب كان و ما يزال أفضل ما يمكن تواجده في الكون لك و لكن لأنك ما تزال تتوهّم أنك كنت في علاقة مثالية.

تذكر الحقيقة المرة: لو كنت في علاقة مثالية ما كانت انتهت.  قد تلوم نفسك أو تلوم الظروف أو تلوم من تدخّلوا في العلاقة.  كل ذلك لا يهم.  كل ذلك كان يمكن أن يحدث مع شخص غير من كنت معه و ما كان سيؤثر بمقدار أنملة. لماذا؟ لأن الشخص كان سيكون مختلفاً و العلاقة مختلفة.  إذاً الأمر في النهاية يعود إلى المشتركين في لعبة الرومانس أولاً و آخراً.  

إذا كنت الآن تمر في هذه المرحلة القاتلة من مرحلة ما بعد انتهاء العلاقة فإن كل هذا الكلام لن يفيدك بشيء.  فهو لن يزيل ألمك.  

ستتساءل: لماذا أبقى أتذكره؟ لماذا ما أزال متألماً؟ لماذا ما أزال أتقصد سماع الأغاني التي تذكرني به؟ بل لماذا حتى أغاني لم تكن لها علاقة به صارت متعلقة به؟ لماذا ما أزال كلما أرى اثنان أفكر به؟ لماذا أريد العودة مهما حدث؟ لماذا و ألف لماذا؟

الحقيقة هي عكس كل ذلك.  قد تظن أنك تريد العودة للحبيب الفقيد.  و لكن ليس هذا ما يحدث بداخلك.  

لو عاد لك الحبيب و أنت تعرف الآن ما تعرفه هل تظن ستكون سعيداً؟ ربما. و لكن على الأغلب فإن الأمان قد انكسر. الكثير قد تغيّر و ستعيش في جحيم علاقة سوياً.  

ما يحدث لك هو ليس التمني بالعودة إلى الحبيب و لكن التمني بالعودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل الانكسار.  هذه لن يحدث.  عجلة الزمن لا تعود إلى الوراء. ما حدث قد حدث و ما كان يمكن له أن يحدث بأي طريقة أخرى و هذه التجربة اليوم قد أصبحت جزءاً منك كشخص.  وجعها قد يخف مع الأيام.  هذه كله يعتمد عليك أنت.  لن تكون عملية سهلة و لكنها ممكنة و تحدث لمعظم الناس.  

تأثير الوجع هذا سيخف مع الأيام و لكن ليس في الأسابيع أو الشهور الأولى.  

في الفترة الأولى سيكون الوجع في أعلى حدته.  قد لا تشعر به مباشرةً بعد انتهاء العلاقة لأنك قد تكون ما تزال في مرحلة الصدمة أو الغضب.  في هذا الخصوص اقرأ مقالاً آخراً كتبته عن المراحل النفسية لما بعد الفاجعة.  سأضع الرابط في الأسفل لكي تفهم ما يحدث لك.  و لكن فيما بعد ستأتي مرحلة الكآبة.  و مرحلة الكآبة هي أقسى مراحل ما بعد الفاجعة لأنها تبدأ بتغييرك على المستويين الصحي و النفسي.  فبهذه المرحلة سيكون سلاحك الوحيد في عدم الغرق إلى غياهب الجنون و الضياع هو العقل.

فيما بعد ستتناوب عليك حالات متناقضة ما بين التفاؤل و التشاؤم و الغضب و الندم و الحزن و التقبّل و غيرها من المشاعر.  لن يحدث كل شيء فجأة.  أحياناً تغوص في مراحل سابقة من جديد.  الإرهاق الجسدي.  قلة النوم.  الضيق المادي.  التدهور الصحي.  كل هذه الأمور عندما تحدث لك في الشهور أو السنة الأولى أو حتى ما بعدها ستجعلك تشعر بأن الأفضل قد مضى و ستغرق في كآبة تنشد فيها ذكريات الماضي.  هذا كله سيمر.  ليست باقية هذه المشاعر.  

أنا لم أرغب يوماً بالانتحار و لكنني مررت بمراحل كنت أتخيّل فيها كيف أنها قد تسبب لبعض الأشخاص الرغبة في الانتحار.  هذا كله بسبب عدم الشعور بقيمة الحياة و هيمنة الألم.  هذا كله مؤقت و لن يدوم.  إذا راودتك هذه المشاعر تذكر أن الانتحار لن يفيد في شيء.  اهرب إلى النوم و أجّل ذلك القرار قدر المستطاع لأنك تستطيع الانتحار متى شئت و لكن لا تستطيع العودة منه حين تريد.

تفادى أي شخص يقول لك: انسى.  تفادى أي شخص يشاجرك و يوبخك على مشاعرك.  تفادى أي شخص لا يتفهم ما تمر به و يضع عليك ثقلاً عاطفياً أو نفسياًفوق طاقتك.  أعلم جيداً أنك في هذه المرحلة أنت في أمس الحاجة للحنان و الاحتضان و التفهم.  و لكن للأسف لن يقلع شوكك غيرك أنت. إن كان معك صديق أو فرد أسرة يتفهمك و يصغي إليك و يمضي معك وقتاً يومياً لمواساتك و مساعدتك بحنان و صبر فأنت محظوظ جداً.  

في هذه المرحلة أنت بحاجة لكل الدعم الذي تستطيع الحصول عليه خاصةً و أن كل شيء في حياتك قد يتأثر و سيتأثر.  من صحتك إلى وضعك النفسي إلى وضعك المادي و وضع عملك بل و علاقاتك الأسرية و أكثر من ذلك.  لذلك أريدك أن تتذكر ما سأقوله لك و تذكره جيداً و لا تنساه.  و كلما نسيته عد إلى هذا المقال و اقرأه من جديد.  لذلك تذكر ما يلي:

تذكر أنك قد عشت مصيبة عاطفية عظيمة جداً.  هذا الانهيار الذي تشعر به هو ليس أمراً سخيفاً أو ثانوياً كما سيحاول البعض إقناعك به.  من لم يمر به لن يفهمه.  هو محظوظ.  دعه على جهله.  لديك ما يشغلك من مأساة.  تعامل معها بحذر و بجدية.  

تذكر أنك لست لوحدك.  هنالك الكثيرون ممن عانوا مثل هذه المعاناة أو ما يزالون يعانون منها.  تعرّف عليهم.  قد تستفاد منهم و يستفادون منك.  قد تكون علاقة مؤقتة تفي بالغرض للطرفين. لا بأس.  ليست كل العلاقات من التركيبة لأن تصبح صداقات لمدى الحياة.  

تذكر أن كل هذا زائل و أن كل شيء في الحياة زائل و مؤقت.  سينتهي كل شيء عاجلاً أم آجلاً. و ستشعر بالوجع إما الآن أو عند موت العزيز.  للأسف فهو قد مات الآن بالنسبة لك.  

لذلك تذكر أيضاً أنك ما تزال على قيد الحياة.  و تستطيع البداية من جديد.  لا لن تعرف شخصاً آخراً بنفس المواصفات.  لن أكذب و أقول لك أن هذا سيحدث.  فكل شخص فريد في شخصيته.  لن تحصل على نفس الشخصية و لا نفس اللحظات و لا نفس الضحكات و لا نفس التفاصيل الصغيرة التي كانت و ما تزال تجعل قلبك يئن لمن فقدته.   و لكن هنالك الكثيرون، أكثر من شخص، كل واحد منهم بصفاته الخاصة و الجميلة و الرائعة التي قد لا تبدو مهمة لك اليوم و لكن ثق بكلامي لأني قد جرّبت هذه الفاجعة أكثر من مرة أن ما سيأتي قد يكون أجمل بكثير مما عشته و لكن ذلك يعتمد على طريقة خروجك من هذه المِحنة.   

فإن تخبّطت و حاولت الدخول في علاقة أخرى و بسرعة و من دون أن تحاول فهم ما حدث معك بعقلانية و تفهم ماذا كان دورك في انتهاء العلاقة فإنك ستحصل على علاقة أقل لمعاناً بكثير من تلك العلاقة السابقة.

في حياتي الشخصية كانت تجربتي في كل مرة لاحقة أجمل بكثير من سابقتها لأنني أمضيت وقتاً كافياً لوحدي أتأمل و أفكر بما حدث معي و ماذا فعلت أنا و ماذا كان يجب أن أفعل بدلاً من ذلك.  و كنت أجلب معي كل ذلك النضج إلى المستقبل.  فإن شعرت أن شخصاً ما لن يفهمني أو ان أتقبله كنت أنهي العلاقة قبل أن تبدأ.  و لكن عندما أدخل في علاقة كنت أراها أكثر جمالاً و أكثر سعادةً.  و السبب هو أن هذا النضج يكون له تأثير واضح على شخصية و سلوك من هي معي.  

هذا أيضاً سيحدث معك إذا أعطيت نفسك الوقت الكافي للتفكير.   المسألة ليست سهلة و المغريات كثيرة و اكن من الضروري أن تعيد ترميم قلبك و ترتيب أفكارك و تنظيم حياتك قبل الدخول في علاقة أخرى.

هنالك الكثير مما يجب علي إضافته و لكن النعاس قد غلب علي و سأضيف لاحقاً ما قد يخطر على بالي.

بالتوفيق

نور دوشي

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.
موقع جوابك علمي تربوي اسلامي سؤال وجواب اطرح الأسئلة واحصل على حل لكل أسئلتكم الموقع يهدف إلى تقديم إجابتك علمية في مختلف مجالات مع إمكانية الإجابة على أسئلة الغير
...